إنه أبو القاسم الزهراوي
وُلد في مدينة الزهراء في الأندلس عام 936م، وعُرف في الغرب باسم Albucasis كرّس حياته للطب علمًا وعملًا، حتى جمع خلاصة أربعين عامًا من الخبرة في موسوعته الشهيرة ذات الثلاثين جزءًا “التصريف لمن عجز عن التأليف”، والتي أصبحت مرجعًا طبيًا لقرون، وتوفي قرابة عام 1013م.
لم يكن الزهراوي طبيبًا عاديًا، بل رائدًا سبق عصره بقرون؛ فقد وصف الحمل خارج الرحم (Ectopic pregnancy) ، وأشار إلى الطبيعة الوراثية لمرض الناعور(Hemophilia)، وميّز بين أنواع السكتات الدماغية، وابتكر الخيوط الجراحية القابلة للذوبان، إلى جانب تصميمه لأدوات جراحية لا يزال بعضها يُستخدم حتى اليوم ، و قد أبدع في الطب في جميع الميادين ، و الزهراوي كان من أوائل من وصف تحضير الحبوب الدوائية بطريقة منتظمة باستخدام قوالب خاصة ، و حاول جعل الحبوب متساوية الحجم و الجرعة ، و أول من قام بنقش الدواء باسم العقار نفسه تجنبًا للخلط بين الأدوية و الخطأ فيها وهذا سبقٌ صيدلي قائم إلى اليوم في عصرنا الحديث ، و ذكر في كتابه "التصريف لمن عجز عن التأليف" طرق تصنيع أدوية صلبة و سائلة بشكلٍ منهجي ، و أضاف مواد حافظة للأدوية المصنوعة لزيادة عمرها وتقليل تحللها مثل الصمغ العربي أو صمغ القتاد أو الكيثراء ، و هذا تطور مهم في تاريخ الصيدلة ، و كان من أوائل من استخدموا تغليف بعض الأشكال الدوائية بأغشية طبيعية مثل أغشية الأمعاء الحيوانية بهدف إخفاء طعمها المر، وتسهيل بلعها، وحماية مادتها الفعالة، مما يُعد من البدايات المبكرة لفكرة تغليف الأدوية التي تطورت لاحقًا إلى الكبسولات الحديثة ، و قد كان له باع في علم التخدير فاستخدم أدويةً مخدرة للعمليات مثل الأمنيون و بذور الخشخاش عن طريق اختراع اسفنجة خاصة سميت "المركدة" حيث كان يشبعها بالمادة المخدرة ثم يتركها تجف، وعند الاستعمال كان يمرر الإسفنجة في محلول مغلي ثم يضعها على أنف المريض و شفاهه، و كان المحلول المغلي يحوي المادة المخدرة و يتم امتصاصه من خلال الغشاء المخاطي هذا الإجراء كان يخدر المريض و يسكن آلامه طيلة العملية، و بالرغم من أن فكرة التعقيم كان غير متعارف عليها قديمًا إلا أن الزهراوي كان يعقم الأدوات و الجروح كوقاية من الإلتهابات من غير تيقنه من سبب العلاقة الحقيقي بين التلوث و إلتهاب الجروح إلا أنه يدل عن تفكير طبيبٍ حاذق يعي ما يجري و إن كان لايوجد تفسير.
أيضًا اخترع طرقًا وآلاتٍ في الجراحة لازلت تستخدم في عصرنا هذا ، و للأسف قد نسبت بعض مبتكراته لغيرهم بالرغم أنه سبقهم بها منذ آلاف السنين ، و من طرقه الطبية التي تم سرقتها و نسبها إلى أشخاص آخرين مثل: طريقة رد خلع الكتف من خلال الثني إلى الخارج و هذه تسمى الآن بطريقة Kocher نسبة إلى العالم الألماني Emile Kocher ، وأيضا من الأوضاع الطبية التي تم نسبها إلى غيره هي وضعية المرأة أثناء الولادة التي صارت تسمى حاليا بوضعية Walcher ، والذي تستلقي فيه المرأة الحامل ووجها للأعلى على حافة الطاولة وساقاها معلقتان للأسفل وذلك من أجل توسيع الحوض لتسهيل الولادة في حالات الولادة الصعبة.
و من أكبر السارقين لجهد الزهراوي هو الجراح الذي ذاع صيته روجي دي بارمه الذي نالت مؤلفاته في الجراحة شهرةً عظيمة، و التي لم تكن في الحقيقة سوى انتحال لأفكار أبي القاسم و أعماله فيها ، و من البراهين على ذلك تصريح ألفرد فرانكلين في كتابه ( التنقيب عن أصول الجراحة ) في النسخة المعربة صفحة ٣٢ "جدد أبو القاسم ذلك النابغة الرحب الجسور فن الجراحة عند العرب فطار ذكره في الأقطار، و دخلت مؤلفاته إيطاليا فكان فيها أبو القاسم دليل الجراحين في أعمالهم، و في تصانيفهم ، و مالجراحون الذين نبغوا في إيطاليا بعد أبي القاسم إلا نقلة ، و مقلدون لهذا الرجل العظيم، و قد نُظر إلى هؤلاء الجراحين بعين الإعجاب وعدوا مجددين للجراحة على أنهم في الحقيقة لم يزيدوا على الجراحة أقلَّ شيء جديد، بل أدخلوا فيها اختلافات كثيرة .. إلى أن قال: وقد أخذ من كتاب أبي القاسم روجي دي بارمه كل القواعد التي تتألف منها مصنفاته، و لم يذكر مأخذها و انتحلها لنفسه فنال بذلك الشهرة والمكانة العظيمة ".
أيضا من المبتكرات التي نسبت لغيره حيث ابتدع وضعًا نصح بها عند إجراء أي عملية أسفل السرة برفع الحوض و الساقين ، وهذا الوضع هو الذي أخذته أوروبا فيما بعد وعرفت باسم وضع Trendelenburg نسبة للجراح الألماني الشهير فريدريش ترندلينبيرغ ١٨٤٤ – ١٩٢٤ م ( Friedrich Trendelenburg ).
وهو الذي أجرى العملية المشهورة بمنع تدفق الدم من الأوعية الدموية الكبرى ، ولم تعرف هذه العملية إلا بعد وفاة أبي القاسم بستة قرون، و كان أول من اشتهر بها الجراح الفرنسي أمبرواز جاريهو مان ذلك عام ١٥٥٢ م.
أيضًا يُعدّ داءُ السُّلّ الفقري، المعروف باسم داء بوت، من الحالات التي وُصفت في التراث الطبي العربي مبكرًا؛ إذ تناول أبو القاسم الزهراوي مظاهره ضمن دراساته لأمراض المفاصل والعظام. غير أنّ هذا المرض نُسب لاحقًا في الأدبيات الطبية الغربية إلى الجرّاح الإنجليزي برسيفال بوت، الذي عاش بعده بقرون، فأُطلق عليه اسمه رغم السبق العلمي للزهراوي في وصفه !
و هو من أسّس علم الجراحة الحديثة حيث كان قديما من يقوم بالعمليات الجراحية الحلاقون و الحجامون لكن هو أول طبيب آمن بأن التشريح لابد أن يكون عن طريق طبيب يتقن علم التشريح وكان من أوائل من طبق التشريح بعد الموت ، و أول من سلك مسلكًا في الطب الشرعي للتشخيص عن علة غير واضحة مثل كشفه عن مرض الناعور ، و هو أول من قام بإجراء Tracheostomy لخادمه، و نجح و ذاع صيته بين الأقطار الإسلامية ، وابتكر أكثر من 200 أداة جراحية ، و بحكم تخصصي سأذكر بعضها كالأدوات الجراحية التي ابتكرها في جراحة النساء و التوليد أهمها:
- منظار مهبلي ( Vaginal Speculum )

- وصف الزهراوي أدوات مساعدة لاستخراج الجنين ، و يعدها المؤرخين البداية التي مهدت الطريق لتطور ملاقط التوليد الحديثة

- قسطرة لتصريف البول ، و كان يغلفها ببياض البيض ليسهل دخولها.

وغيرها الكثير التي لا يسع مقالنا هذا أن يعرض بعض منجزاته ، وعبقرية ابتكاراته.
أيضًا كانت له مساهمات عظيمة في طب العيون ، و طب الأنف و الأذن و الحنجرة ، و طب الأسنان و لا يوجد مجال إلا و تميز فيه و كان السبق فيه من كان يتخيل أن زراعة الأسنان كانت تطبق قبل ٩٠٠ عام! و أيضا كان يعد من ضرب الجنون أن يقوم أي انسان بعمل عملية في الغدة الدرقية و هذا قول عمالقة في الجراحة في زمنهم الماضي إلا أن الزهراوي تخطى كل المقاييس في عبقريته و كان أول من أجرى عملية إستئصال الغدة الدرقية بنجاح.
أيضا تكلم عن السرطان و ذكر بعد القواعد العامة في طريقة علاجه و التعامل معه حيث وضح أنه متى كان السرطان في موضع يمكن استئصاله كله كالذي يكون في الثدي أو في الفخذ و نحوها من الأعضاء المتمكنة فيفضل إخراجه كله ( Radical resection ) و لاسيما إذا كان في بدايته ، و أيضا وصف طريقة الاستئصال الكامل بحيث تشمل ماحول المرض و كأنه يتحدث عن قاعدة مسافة الأمان ( Safe Margine ) حيث قال " ثم تلقي في السرطان الصنانير التي تصلح له ثم تقوره من كل جهة مع الجلد على استقصاء حتى لا يبقى شيء من أصوله ، فإن اعترضك في العمل نزف دم عظيم من قطع شريان أو وريد فاكوي العرق حتى ينقطع الدم .. " و إذا تفشى السرطان قال: "و أما متى قدم وكان عظيمًا فلا ينبغي أن تقربه فإني ماستطعت أن أبرئ منه أحدًا ، ولا رأيت غيري وصل إلى ذلك .. " ، و المقصود بالصنانير في كلام الزهراوي هو الخطاطيف الجراحية ( Surgical hooks ) و هي أدوات معدنية ذات طرف معقوف كان الجراح يستخدمها للإمساك بالأنسجة أو شدها أو رفعها أثناء العملية لتسهيل استئصال الورم ، أيضا كان في بعض مواضع الجسم يفرق بين الأورام ما هو خبيث و ماهو حميد.
ولم تتوقف عبقرية الزهراوي عند ابتكار الأدوات أو سبق الاكتشافات، بل امتدت إلى بناء منهجٍ جراحي متكامل سبق به المدارس الطبية الحديثة بقرون. فقد كان يؤمن أن الجراحة ليست جرأة يدٍ فحسب، بل علمٌ يقوم على الفهم العميق للتشريح ووظائف الأعضاء، والتشخيص الدقيق قبل اتخاذ قرار التدخل الجراحي، وأن الطبيب لا ينبغي أن يقدم على عملية حتى يتيقن أن منفعتها أرجح من ضررها، وأنها ستعود على المريض بالشفاء لا بالمضاعفات.
كما غرس في طلابه أخلاقيات المهنة قبل مهاراتها، فكان يحذر من إجراء أي عملية دون خبرة سابقة أو تدريب عملي، ويوصي الجراح بأن يشاهد العمليات مرارًا ويتعلمها على أيدي أهل الخبرة قبل أن يتصدى لها بنفسه، وهي مبادئ لا تزال إلى يومنا هذا أساس برامج تدريب الجراحين في مختلف أنحاء العالم.
ولم يغفل الزهراوي عن أدق تفاصيل الممارسة الجراحية؛ فأوصى بتعقيم الأدوات والجروح، والاهتمام بإيقاف النزف بربط الأوعية الدموية أو الكي عند الحاجة، كما وصف وسائل للتخدير الاستنشاقي، واعتنى برعاية المريض بعد العملية من خلال الضمادات والرباطات، والمتابعة المستمرة للجروح حتى تمام شفائها، بل حرص كذلك على رسم موضع الشق الجراحي وتخطيطه قبل البدء، إدراكًا منه أن دقة التخطيط هي أولى خطوات نجاح العملية.
إن هذه المبادئ تكشف أن الزهراوي لم يكن مجرد جرّاح بارع، بل كان صاحب مدرسة علمية متكاملة جمعت بين المعرفة الدقيقة، والمهارة العملية، والالتزام الأخلاقي، حتى غدت كثير من القواعد التي أرساها قبل أكثر من ألف عام هي ذاتها المبادئ التي تُدرَّس وتُمارس اليوم في كبرى كليات الطب ومراكز الجراحة حول العالم.